القباب الطينية شمال سورية نموذج العمارة التقليدية المشتركة بين الشرق والغرب
لاشك أن المنشآت ذات القباب تشكل إرثاً ثقافياً ومعمارياً ولد في منطقتنا وشكل سمة مشتركة بين الشرق والغرب عبر آلاف السنين في قرانا وخاصة شمال سورية
وتشكل تلك القباب على وجه الخصوص هوية لطراز إنشائي قديم وعريق
أفرز عمارة تقليدية لنماذج بيوت سكنية ريفية قروية ومدنية حضرية، وبناء على ذلك انطلقت فعاليات مؤتمر علمي مؤخراً أقيم في المتحف الوطني للحديث عن (البيوت ذات القباب الطينية في قرى شمال سورية - جبل الحص - كنموذج عن العمارة التقليدية المشتركة بين الشرق والغرب)
تمويل أوربي للمشروع
وجاء المؤتمر ضمن إطار التعاون العلمي بين المديرية العامة للآثار والمتاحف وجامعة فلورنسا الإيطالية وهو مشروع قام بتمويله الاتحاد الأوروبي لتوثيق وصيانة القباب والمساكن الطينية في هذه المنطقة، وكانت خلاصته كما عرض خلال المؤتمر إصدار كتاب توثيقي بعنوان (قباب ومساكن طينية في شمال سورية - تراث مشترك بين الشرق والغرب) إضافة الى ندوة ، ومعرض توثيقي ضم أربعين صورة مأخوذة أثناء العمل بالمشروع مع شرح تفصيلي عنها، حيث كانت الانطلاقة من حلب ثم تأتي بعدها اليونان وجامعة فلورنسا الايطالية، ثم جامعة فالينسا الاسبانية.
شارك في المؤتمر الباحثون نديم فقش مدير آثار ومتاحف حلب والدكتور سافير يوميككي من جامعة فلورنسا مدير مشروع القباب الطينية ونذير عوض مدير المباني بالمديرية العامة للآثار والمتاحف، وفاز يليوس كوندوروس مدير الجمعية الهلنستية للتراث في اليونان والدكتور علاء الدين لولح مدير معهد التراث ومدير المركز الثقافي الايطالي بدمشق وثائر برته معاون مدير آثار ومتاحف حلب للشؤون العلمية والدكتور محمد دلو رئيس شعبة الهندسة في مديرية الآثار بحلب.
ودار الحديث حول أهمية العلاقة المشتركة بهذا النوع من العمارة الطينية المشتركة بين بلدان حوض البحر المتوسط, إذ تعتبر ذات قيمة فنية كبيرة بغض النظر عن علاقتها بالعالم (الحديث والأجيال القادمة، لذلك يجب الحفاظ عليها - حسب رأي الجميع - كمثال لمدى العناية والإدراك البيئي للمعماريين والبنائيين الذين انتشروا في العالم وإن أهمية الحفاظ على الأبنية الطينية انعكست عبر المشروع الحالي من قبل منظمة اليونسكو (مركز التراث العالمي)
العمارة الطينية موغلة في القدم
كما أن الإيكوموس (المنظمة العالمية لتراث العمارة الطينية) تعمل على دعم وتشجيع نشاطات النشر والبحث الدقيق الذي يمكن الاستفادة منه في كافة أرجاء العالم ضمن إطار البحث الوصفي والتحليل الرمزي لأبنية العمارة الطينية.
وحسب تأكيد المشاركين في المؤتمر فإن العمارة الطينية في سورية أصولها إلى فترات زمنية موغلة في القدم إذ كشفت التنقيبات الأثرية في تل المريبط وهو موقع أثري من العصر الحجري الحديث - النيوليت - في حوض الفرات الأوسط) ووقتها استخدم الإنسان الطين الممزوج بالحصى والمواد العضوية الأخرى كالخشب والتبن في البناء, ويعد هذا النموذج من أقدم النماذج للبيوت الدائرية في المنطقة وربما في العالم.
فالجدل حول العمارة الطينية وبناء القباب أصبح مثيراً بين مجموعات البحث السورية والأوربية حيث أكدت أن هذا النظام المعماري قد تميز في عمارتنا حيث يقدم لنا فرصة للمضي قدماً للعمل على أساليب الحفاظ عليه.
كما أظهر المشاركون أن الطين يمتلك قدرة هائلة في الاستجابة للاحتياجات السكنية لملايين الناس وليس فقط الاحتياجات الكمية المنسجمة مع التلاؤم البيئي المحدود مع المصادر والموارد.
وبما أن هذه المادة الطينية مرنة وقادرة لأن تتغير وتتكيف وتستجيب للتنوع في البيئة الطبيعية والإنشائية فقد أصبحت اللغة المعبرة لهويات الشعوب عبر تاريخها الطويل.
قرى القباب إرث ذو أهمية استثنائية
يرتبط الاهتمام بدراسة البيوت المقببة في قرى شمال سورية ارتباطاً وثيقاً بهذه الثقافة الاستثنائية التي ما زالت مجهولة نسبياً.
وعبر قرون من الزمن لم يحل نظام المياه المستقرة بدلاً من النمط المعيشي البدوي للقبائل فقط بل إن هذه الشعوب قد تقلبت بين هذين النمطين من العيش وغالباً ما اندمجت ضمن مجتمعات وعائلات واحدة.
لقد عاشت كل هذه الشعوب في هذه المناطق عبر آلاف السنين وكان عليهم تحديد طريقة حياتهم واستراتيجيات تطورها لتتعايش مع التغيرات المناخية والتركيز بشكل أساسي على تأمين مصادر مياه الشرب.
لقد هيمن المناخ الجاف على طبيعة هذه المنطقة لآلاف السنين حيث شكل العامل الحاسم في تحديد طبيعة المستوطنات البشرية وعمارتها وخبراتها الإنشائية وكيفية استثمار الأرض وعلاقتها بالموارد المائية والبشرية.
وإن نتائج الأبحاث التي أجريت على القباب في أوربا وسورية هي حصيلة تمويل المفوضية الأوربية وهي ذاتها التي خرجت بها الندوة كما أن المشهد التاريخي الاستثنائي لقرى القباب الطينية في شمال سورية إنما يشكل استمرارية التعبير عن العلاقة الجدلية بين البيئة والإنسان والعمارة عبر آلاف السنين والعلاقة الأصيلة بين الشرق والغرب التي برهن عليها هذا الانتشار المذهل لعمارة القباب والثقافة المرتبطة بها في أنحاء أوربا وحوض البحر المتوسط.
وخلص المشاركون في المؤتمر الذي أغني بالعديد من المناقشات أن هذا المشروع يقدم للمجتمعات السورية والعالمية تحليلاً علمياً للعمارة الطينية لزيادة الإدراك الحسي والانتباه لقيمة ذلك الإرث المحلي ضمن جهود منظمة لدعم التنمية في مناطق حوض المتوسط.
| تنقل بين المقالات | |
قلعة المرقب
|
قصر العظم .. من أهم القصور التاريخية في دمشق
|
|
|











